منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لماذا يبدو بعض المهاجرين الجدد إلى أمريكا أكثر عداءً لبلدهم الجديد؟

بقلم: فيكتور ديفيس هانسون

طالما كانت الولايات المتحدة وجهة للمهاجرين الطامحين، الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم بحثاً عن فرصة، وأسهموا في بناء واحدة من أقوى الاقتصادات في التاريخ. ففي وادي السيليكون، كان للمهاجرين الشرعيين دور محوري في تأسيس شركات عملاقة مثل eBay وGoogle وNvidia وSpaceX وTesla، وغيرها من الأسماء التي أعادت تشكيل العالم الحديث.
هذه الصورة لم تكن استثناءً، بل كانت تعبيراً عن رؤية أمريكية تقليدية للهجرة، تجسدت في أعمال فنية مثل فيلم “America America” الصادر عام 1963، الذي يروي رحلة شاقة لمهاجر يسعى للوصول إلى الولايات المتحدة. كان المهاجر، وفق هذه الرؤية، يخاطر بكل شيء من أجل الوصول، ثم يتحول إلى مواطن شديد الولاء، ممتن للفرصة التي أُتيحت له.
نشأتُ في ريف كاليفورنيا، وسط عائلات مهاجرة من أرمينيا والهند واليابان والمكسيك، حيث كانت أخلاقيات العمل والانتماء لأمريكا نموذجاً يُحتذى. وحتى على المستوى الشخصي، ظل جده السويدي، رغم ارتباطه بوطنه الأصلي، يرى في أمريكا وطنه الأهم. وقد شارك أفراد من عائلته في حروب عالمية دفاعاً عنها، مؤمنين بأن الهجرة إليها كانت نعمة تستحق التضحية.
لكن يبدو أن شيئاً ما قد اختلّ بشكل خطِر في ملف الهجرة، ليس فقط بسبب الحدود المفتوحة، بل أيضاً نتيجة تغيّرات في طبيعة الهجرة القانونية وحتى في برامج الطلاب الزائرين.
ففي وقت تخوض فيه الولايات المتحدة حرباً مع إيران، يهتف بعض المهاجرين والزوار والطلاب الأجانب بشعارات معادية لأمريكا، ويشجّعون خصومها.
وفي الجامعات، نظّم آلاف الطلاب الدوليين من الشرق الأوسط احتجاجات، اتسم بعضها بالعنف، ولم يترددوا في التعبير عن تأييدهم هجمات حماس ضد مدنيين إسرائيليين. ولم يقتصر الأمر على إدانة إسرائيل، بل وصل في كثير من الأحيان إلى مضايقة الأمريكيين اليهود.
كراهية أم حب لـ”الشيطان الأكبر”؟
خذ مثال الدكتورة فاطمة أردشير-لاريجاني، ابنة علي لاريجاني، أحد المقربين من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. لقد أرسلها والدها إلى أفضل الجامعات في “الولايات المتحدة الشيطانية”، حتى حصلت في النهاية على وظيفة أستاذة في جامعة إيموري.
وبينما تصفنا بعض الأنظمة بـ”الشيطان الأكبر”، يبدو أن قادتها يفضّلون أن يتلقى أبناؤهم التعليم ويحققوا الثراء في أمريكا.
أما عمدة نيويورك، زهران ممداني، وهو مواطن متجنس من أوغندا، فقد أصبح والداه من الشخصيات العامة وأصحاب الملايين في أمريكا، ومع ذلك لم يكن له الكثير من المواقف الإيجابية تجاه بلده الجديد.
كما أن زوجته، راما دوجاجي، التي ينحدر والداها من أصول سورية وحصلا على الجنسية، قامت برسم كتاب يحمل مضامين معادية لليهود. وبعد أحداث 7 أكتوبر، أبدت إعجابها بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تمجّد عناصر حماس.

مفارقات الترحيل

تبدو مواقف بعض الزوار والمهاجرين غير الشرعيين أكثر غرابة عندما يواجهون الترحيل، فقد أصبح كيلمار أبريغو غارسيا رمزاً لدى اليسار عندما واجه قرار ترحيله، رغم تجاهله أوامر سابقة بالمغادرة، واتهامه بالانتماء إلى عصابة، وممارسة العنف الأسري، والاتجار بالبشر. ومع ذلك، حصل على دعم قانوني مجاني كبير، مكّنه من البقاء في بلد أظهر تجاهه ازدراءً واضحاً.

 

مواطنون جدد يرتكبون جرائم

ولا تقتصر الأزمة على المهاجرين الجدد، بل تمتد إلى بعض الحاصلين على الجنسية. ففي الأسابيع الأخيرة فقط: وفي 1 مارس، أطلق ندياغا دياني، وهو مواطن متجنس من السنغال، النار داخل حديقة بيرة في أوستن بولاية تكساس. ووفي 7 مارس، ألقى أمير بلات وإبراهيم كايومي، وهما ابنا مواطنين متجنسين، عبوات ناسفة بدائية باتجاه احتجاج محافظ خارج “غرايسي مانشن”، وفي 12 مارس، قتل محمد بيلور جالو، المتجنس من سيراليون، مدرباً في جامعة “أولد دومينيون” وفي اليوم نفسه، قاد أيمن محمد غزالي، وهو مواطن متجنس من أصل لبناني، سيارة مزوّدة بألعاب نارية متفجرة نحو معبد يهودي في ميشيغان.
وليست كل الحوادث متعمدة. فقد مُنحت آلاف رخص القيادة لمهاجرين غير شرعيين ومقيمين قانونيين، بينهم من لا يجيدون الإنجليزية أو لا يمتلكون مهارات القيادة، ما يثير تساؤلات حول الحوادث المرورية المروعة التي وقعت أخيراً.
كيف وصلت الأمور إلى هنا؟
في منتصف ستينات القرن الماضي، تم التخلي عن نظام الهجرة القائم على الكفاءة، واستُبدل بنظام يعتمد أساساً على الروابط العائلية والحاجة إلى العمالة منخفضة الكلفة. ومنذ ذلك الحين، بدأ الحزب الديمقراطي في الترحيب بالمهاجرين، سواء كانوا قانونيين أو غير قانونيين، وحتى أولئك الذين يعبرون الحدود أو يأتون للدراسة.
اختفى نموذج “بوتقة الانصهار”، ليحل محله نموذج “وعاء السلطة”. وأصبحت الهجرة، في نظر اليسار، وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية لم تتحقق سابقاً.

فرانكشتاين ونتاجه

لماذا يعتقد بعض المجرمين أنهم قادرون على دخول الولايات المتحدة بشكل غير قانوني والإفلات من العقاب؟
هل لأنهم يرون دولة تفتح حدودها، ولا تطبق تدقيقاً كافياً، وتُضعف قوانينها، وتحوّل النظام القضائي إلى أداة تجعل المجرم ضحية؟
ولماذا يُحرق العلم الأمريكي أحياناً في حين تُرفع أعلام دول أخرى؟ هل لأن ذلك يُفسَّر على أنه “احتفاء بالتنوع”؟
وفي ظل الحرب مع إيران، لماذا يشعر بعض المواطنين المتجنسين بالحرية في ارتكاب أعمال عنف داخل الولايات المتحدة؟
من صنع هذا الواقع؟ نحن من صنعه.

نقلاً عن نيويورك بوست

هل تُشعل خطط شابانا محمود للهجرة انقساماً داخل حزب العمال البريطاني؟

هيئة التحرير

مرة أخرى، يجد نواب الصف الخلفي في حزب العمال أنفسهم في مواجهة مع خطط حكومتهم، وهذه المرة بسبب التعديلات المقترحة على قواعد “الوضع المستقر”. ومع تصاعد التوتر، تلوح في الأفق معركة سياسية قد لا تقل شراسة عن تلك التي شهدها الحزب حول إصلاحات الرعاية الاجتماعية في الصيف الماضي.

التقارير تشير إلى أن عدداً من نواب الحزب يستعدون لتنظيم مقاومة حقيقية ضد مقترحات وزيرة الداخلية شابانا محمود، وفي مقدمتها مضاعفة مدة حصول المهاجرين على الإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى عشر. خطوة تُعد في نظر مؤيديها وسيلة لضبط النظام، لكنها في نظر معارضيها تمثل انحرافاً مقلقاً عن المسار الذي طالما تبناه الحزب.

هذا القلق لم يأتِ من فراغ، فمنذ تولّت شابانا محمود منصبها خلفاً لإيفيت كوبر في سبتمبر الماضي، بدأ الجناح الليبرالي داخل الحزب يعبّر عن مخاوف متزايدة بشأن توجهات السياسة الحكومية في ملف الهجرة واللجوء، ومع دخول شخصيات بارزة على خط النقاش، مثل أنجيلا راينر التي وصفت النهج المقترح بأنه “غير بريطاني”، وبدعم ضمني من عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام، اتسعت رقعة الاعتراض.

حتى الآن، وقّع نحو مئة نائب عمالي رسالة مفتوحة تدعو شابانا محمود إلى إعادة النظر، في مؤشر واضح على عمق الانقسام داخل الحزب، ورغم هذا الزخم، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هؤلاء النواب عرقلة الخطة؟

من الناحية الشكلية، الإجابة لا، فالتصويت المتوقع في مجلس العموم لن يكون ملزماً؛ لأنه لا يتعلق بتشريع مباشر، بل بمذكرة تعبير عن موقف سياسي، ولأن وزيرة الداخلية تمتلك بالفعل الصلاحيات اللازمة لتعديل شروط الإقامة، فإن التصويت لن يغيّر شيئاً على الأرض.

لكن السياسة لا تُقاس دائماً بالقواعد الإجرائية وحدها، فالضغط المتزايد قد يدفع الحكومة إلى التراجع الجزئي، أو إدخال تعديلات انتقالية تُخفف من حدة القرار، تجنباً لإحراج سياسي أو هزيمة رمزية، وفي هذه الحالة، قد ينجح المتمردون في إعادة تشكيل ملامح السياسة، إن لم يتمكنوا من إسقاطها بالكامل.

المعركة الحقيقية قد تأتي لاحقاً، عندما يُطرح مشروع قانون جديد أمام البرلمان لتعديل نظام الطعون أو غيره من الجوانب المرتبطة بالهجرة، حينها سيكون لدى المعارضين داخل الحزب فرصة كبرى لإدخال تعديلات جوهرية، أو حتى تعطيل بعض الإجراءات.

الدافع العملي وراء هذه التحركات واضح: أعداد الوافدين الكبيرة خلال السنوات الماضية تعني أن نحو 1.6 مليون شخص قد يحصلون على الإقامة في المملكة المتحدة بحلول عام 2030، مع ذروة متوقعة تبلغ 450 ألفاً في عام 2028. أرقام تضغط بقوة على صانعي القرار، وتدفعهم للتحرك سريعاً.

لكن سياسياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فانقسام حزب العمال على نفسه، حتى لو كان بدافع نقاش صحي، لا يبعث برسائل طمأنة إلى الناخبين، والتاريخ السياسي مليء بالدروس التي تؤكد أن الأحزاب المنقسمة نادراً ما تفوز بالانتخابات.

تدافع شابانا محمود عن خطتها باعتبارها ضرورية للحفاظ على التوازن المجتمعي ومواجهة صعود أحزاب أكثر تشدداً في ملف الهجرة، مثل “ريفورم يو كيه”. في المقابل، يرى منتقدوها أن التهديد الحقيقي يأتي من اليسار، حيث يقدّم حزب الخضر خطاباً أكثر انفتاحاً تجاه الهجرة واللجوء.

لكن، بعيداً عن هذه الحسابات الأيديولوجية، تبقى حقيقة بسيطة، وهي أن قضية الهجرة تشغل بال شريحة واسعة من الناخبين الذين يريدون حلولاً ملموسة، بغض النظر عن الحزب الحاكم. المخاوف المرتبطة بقوارب الهجرة الصغيرة وفنادق طالبي اللجوء -والتي تضخمت أحياناً بفعل معلومات مضللة- أدت إلى حالة من التوتر الشعبي، تجلت بوضوح في اضطرابات صيف 2024.

إذا نجحت الحكومة في تقليص الهجرة غير النظامية وإنهاء الاعتماد على فنادق اللجوء، فقد تتمكن من تحييد واحدة من أكثر القضايا حساسية، أما إذا كان لدى المعارضين داخل الحزب رؤية فُضلى لتحقيق ذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامهم هو تقديمها بوضوح وإقناع الجمهور بها.

نقلاً عن إندبندنت

قادة الشركات يفرّون من نتائج الأجندات اليسارية التي دعموها

توم كارتر

لسنوات طويلة، ظلّ سياسيون يساريون راديكاليون يؤكدون أن الشركات الأمريكية الكبرى بحاجة إلى مزيد من التنظيم، وضرائب عليا، ودور أوسع في دعم القضايا السياسية. ولم يتردد كبار التنفيذيين في تبنّي تلك التوجهات الرائجة، من التعهدات المناخية إلى سياسات التنوع والإنصاف والشمول، بل وذهب بعضهم إلى حدّ إلقاء المحاضرات على العملاء والمستثمرين الذين شكّلوا أساس نجاح شركاتهم.

لكن اليوم، يلوح تحول لافت في الأفق. ففي مختلف أنحاء البلاد، تغادر الشركات وقادتها ولايات ذات توجه ديمقراطي قوي مثل كاليفورنيا، متجهة إلى ولايات مثل فلوريدا وتكساس. الأسباب ليست معقدة: ضرائب مرتفعة، تنظيمات صارمة، ارتفاع معدلات الجريمة، وإدارة مسيّسة تدفع الأعمال إلى الرحيل عن بيئات كانوا يوماً ما يدّعون دعمها.

حتى الشركات والمديرون التنفيذيون الذين تبنّوا سابقاً خطاباً تقدمياً، بدؤوا يكتشفون أن الأيديولوجيا ليست استراتيجية ناجحة للأعمال.

لنأخذ مثال هوارد شولتز، القائد السابق لشركة ستاربكس. فقد أعلن مؤخراً أنه، بعد أكثر من أربعة عقود في ولاية واشنطن، قرر الانتقال مع زوجته إلى فلوريدا، مع دخولهما ما وصفه بـمرحلة التقاعد. وجاء هذا القرار في توقيت لافت، إذ يناقش مشرّعو الولاية فرض ما يُعرف بـضريبة أصحاب الملايين التي تستهدف أصحاب الدخل المرتفع. ورغم أن شولتز لم يربط صراحة بين انتقاله وهذه الضريبة، فإن التزامن يعكس اتجاهاً أوسع: عندما تتجه الولايات إلى سياسات ضريبية عقابية، فإن رأس المال والكفاءات يبحثان عن بدائل.

وفي المقابل، لا تفرض فلوريدا ضريبة دخل على مستوى الولاية، وهو فارق بات يصعب تجاهله.

وليس شولتز حالة استثنائية. فعدد متزايد من الشركات الكبرى وكبار التنفيذيين يتركون بيئات السياسات الزرقاء، متجهين نحو اقتصادات حمراء تركز على النمو والاستقرار والوضوح التنظيمي.

شركة بالانتير تكنولوجيز مثال بارز، إذ نقلت مقرها الرئيسي من دنفر إلى ميامي في وقت سابق من هذا العام، لتنضم إلى قائمة متنامية من الشركات التي تغادر مدناً أصبحت، في نظرها، أقل ترحيباً بالأعمال.

كما قامت شركات أخرى بخطوات مماثلة في السنوات الأخيرة. فقد نقلت شيفرون مقرها من كاليفورنيا إلى تكساس، وانتقلت تسلا من وادي السيليكون إلى أوستن، في حين نقلت سبيس إكس جزءاً كبيراً من عملياتها إلى تكساس أيضاً.

هذه ليست مجرد تحركات هامشية، بل تعكس استثمارات بمليارات الدولارات، وآلاف الوظائف ذات الأجور المرتفعة التي غادرت ولايات مثل كاليفورنيا.

الدرس الكامن خلف هذه التحولات يبدو بسيطاً: للسياسات التقدمية تبعات.

لفترة طويلة، افترضت الولايات التقدمية أن الشركات ستتحمل أي مستوى من الضرائب أو القيود التنظيمية، خاصة أن كثيراً من قادتها كانوا يعلنون دعمهم العلني لهذه السياسات. لكن عندما تبدأ تلك السياسات بالتأثير الفعلي في الأرباح، وقرارات الاستثمار، وأنماط حياة التنفيذيين، تتغير الحسابات سريعاً.

فالأسواق تفرض انضباطها. ويتجلى ذلك بوضوح عند مقارنة ولايات مثل كاليفورنيا وواشنطن بولايات أخرى مثل فلوريدا وتكساس التي تبنّت سياسات داعمة للنمو.

في ظل قيادة حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، نجحت الولاية في بناء واحدة من أكثر البيئات جذباً للأعمال في الولايات المتحدة، من خلال ضرائب منخفضة، وتنظيمات واضحة، ومواقف حازمة تجاه تسييس إدارة الشركات. ونتيجة لذلك، أصبحت فلوريدا من أبرز المستفيدين من موجة انتقال الشركات.

ولا يقتصر الأمر على نقل المقرات فقط، بل يمتد إلى انتقال العائلات، ورؤوس الأموال، وخطط الاستثمار طويلة الأجل.

المفارقة هنا يصعب تجاهلها، فالعديد من الشركات التي تغادر اليوم، كانت في السابق من أبرز الداعمين للأجندات السياسية التي أسهمت في تشكيل هذه البيئات التنظيمية. وقد أمضى قادة الشركات العقد الماضي في تبنّي النشاط السياسي، والاصطفاف إلى جانب قضايا ومشرّعين تقدميين.

لكن حين بدأت تلك السياسات نفسها في رفع الضرائب، وتوسيع القيود، وخلق بيئات أقل ملاءمة للأعمال، أعاد هؤلاء القادة اكتشاف قيمة الحرية الاقتصادية.

طالما حذرنا من أن انخراط الشركات في النشاط السياسي ينطوي على مخاطر حقيقية. فعندما تعطي الشركات الأولوية للرسائل السياسية على حساب مهمتها الأساسية -تقديم القيمة للمُسهمين- فإنها تقوّض أسس اقتصاد السوق السليم.

الأسواق تكافئ الانضباط، وتعاقب التجارب الأيديولوجية. والشركات التي تنشغل بإدارة الخطاب السياسي أكثر من خدمة عملائها، تخسر في النهاية ثقة المستثمرين وميزتها التنافسية.

إن موجة انتقال الشركات من الولايات الزرقاء إلى الحمراء تذكير واضح بحقيقة اقتصادية بسيطة: الأعمال تذهب إلى حيث تجد الترحيب.

وإذا أراد صانعو السياسات في كاليفورنيا وغيرها من الولايات عكس هذا الاتجاه، فعليهم إعادة النظر في السياسات التي تدفع الشركات إلى المغادرة.

وحتى يحدث ذلك، سيستمر النزوح. ومع كل مدير تنفيذي ينتقل، وكل مقر شركة يُنقل جنوباً، تصبح الرسالة أكثر وضوحاً: في نهاية المطاف، لا تزال الحقائق الاقتصادية هي الحَكَم.

 

نقلاً عن نيويورك بوست

النساء الإيرانيات.. حلم العودة إلى ما قبل 1979

رويا راستغار*

منذ عقود، تتصدر النساء الإيرانيات مشهد المقاومة في وجه الجمهورية الإسلامية، غير أن أصواتهن اليوم، وسط غارات عملية “الغضب الملحمي”، تتلاشى على نحو مقلق. لفهم هذه اللحظة، لا بد من استحضار ما جرى فقدانه.

في عهد محمد رضا شاه بهلوي، مُنحت المرأة الإيرانية حق التصويت عام 1963، أي قبل ثماني سنوات من سويسرا، وشهد العام ذاته انتخاب ست نساء لعضوية البرلمان. وخلال أواخر الستينيات، اقتحمت النساء مجالات السلك الدبلوماسي والقضاء والشرطة، وعملن كمحاميات وطبيبات وطيارات وسياسيات، فيما كانت الجامعات تعج بهن.

لكن، خلال أسابيع من إعلان الجمهورية الإسلامية، أُقصيت القاضيات من مناصبهن، وخُفّض الحد الأدنى لسن زواج الفتيات إلى تسع سنوات، وفرض الحجاب إلزاميًا على جميع النساء، بما في ذلك غير المسلمات، تحت طائلة السجن والجلد.

في الثامن من مارس عام 1979، يوم المرأة العالمي، خرجت أكثر من مئة ألف امرأة إلى شوارع طهران احتجاجًا. كنّ صاخبات… وكنّ على حق. لكن النظام تجاهلهن، ثم أسكتهن، ثم شيّد منظومة قانونية كاملة تقوم على الفصل الجندري وتطويق أجساد النساء.

هذه ليست قصة من الماضي البعيد. فإيران حديثة، متعلمة، وأكثر عدالة، كانت قائمة حتى وقت قريب في ذاكرة الأحياء. وقد سلبتها الجمهورية الإسلامية، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف النساء الإيرانيات عن النضال لاستعادتها.

في عام 2022، تحوّل شعار “المرأة، الحياة، الحرية” إلى العمود الأخلاقي لانتفاضة إيران الحديثة. وعندما قُتلت الشابة مهسا جينا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، بعد تعرضها للضرب على يد “شرطة الأخلاق” بسبب “حجاب غير لائق”، اشتعلت البلاد. أحرقت الفتيات الحجاب في الشوارع، وامتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 285 مدينة، واتحد الإيرانيون، بمختلف أعراقهم وطبقاتهم وأجيالهم، للمطالبة بإنهاء قبضة النظام على حياتهم.

جاء رد النظام منهجيًا ووحشيًا: آلاف القتلى. استُهدفت النساء بإطلاق النار على وجوههن وصدورهن وأعضائهن التناسلية، في نمط متكرر من العقاب المقصود. الفتيات اللواتي شُوّهن أو قُتلن فيما يسمى “جرائم الشرف”، واللواتي اعتُقلن أو أُجبرن أو تعرّضن للاغتصاب أو التعذيب في السجون، كل ذلك ليس حوادث متفرقة، بل عنفا متجذرا في القانون، يُشكّل تفاصيل الحياة اليومية منذ 46 عامًا.

ومع ذلك، لم يثر غضب بعض الأصوات النسوية الغربية إلا هذا الشهر، بعد غارة أمريكية أودت بحياة 165 طفلًا، معظمهم فتيات، في مدرسة داخل قاعدة بحرية في ميناب. لا شك أن مقتل هؤلاء الأطفال مأساة مروعة. لكن ليس من النسوية أن يُرفع الصوت احتجاجًا على فتيات قُتلن بقنابل أمريكية، بعد صمت طويل عن فتيات أُطلق عليهن النار في وجوههن، أو أُجبرن على الزواج في سن الطفولة. ذلك ليس تعاطفًا خالصًا، بل سياسة ترتدي قناع الرحمة.

حياة الفتيات الإيرانيات لا ينبغي أن تُقاس بقيمة تختلف تبعًا لهوية القاتل.

داخل إيران اليوم، تعيش النساء تحت وطأة مخاوف متداخلة. مصادر من الداخل -شبكة من الصحفيين والنشطاء المستقلين- لا تزال تتواصل معي بشكل متقطع، رغم انقطاع الإنترنت المتعمد، عبر رسائل مقتضبة تمر عبر شبكات VPN غير مستقرة.

إحدى المعلمات في طهران وصفت عبء الانهيار الاقتصادي اليومي، حيث تصل تكلفة عدد محدود من السلع الأساسية إلى ما يعادل 70 دولارًا، بينما يواجه الفقراء ما لا يمكن وصفه إلا بالكارثة.. تحدثت عن استيقاظها ليلًا، غير قادرة على التمييز بين صوت قنبلة أو مداهمة من قوات الباسيج، في غياب صافرات الإنذار التي قد تنذر بالخطر.

مواقف النساء من الضربات الجوية والتدخل الخارجي ليست موحدة، وهذه التعقيدات تستحق أن تُنقل كما هي، دون تشويه أو توظيف سياسي. بعض النساء في طهران يتحدثن بواقعية مُنهكة، إذ يشعرن أن 80% من الناس لم يعودوا يرون طريقًا داخليًا للتغيير، وأن الضغط الخارجي ربما بات القوة الوحيدة القادرة على كسر قبضة النظام.

إحدى النساء عبّرت عن رغبتها في أن يفي الرئيس دونالد ترامب بوعده الانتخابي بإسقاط الجمهورية الإسلامية، لا حبًا في الحرب، بل حبًا في طهران وخوفًا عليها من موت بطيء.

في المقابل، ترفض أخريات الضربات الجوية رفضًا قاطعًا، ليس دفاعًا عن النظام، بل رفضًا للدمار.. صحفية من طهران تحدثت عن صدمتها من الغارات الصباحية، وعن مدينة تفوح منها رائحة البارود، وصديقة لها انهارت نفسيًا تحت وقع الانفجارات. رسالتها لمن يصفقون من الخارج كانت واضحة: تعالوا إلى هنا.. عيشوا هذا.. افهموا معنى الدمار حين يصيب الأجساد والعقول.

امرأة أخرى تحدثت بمرارة عن مشاهد الإسرائيليين وهم يهرعون إلى الملاجئ عند سماع صفارات الإنذار، بينما يحتضن بعضهم بعضًا. وقالت: “نحن لا نملك ملاجئ… لا نملك صفارات إنذار… لدينا نظام لا يمثلنا، بل يهددنا فقط. الشعب الإيراني وحيد جدًا… هذا القدر من الإهانة قد يُذيب الحجر”.

هكذا كانت القصة منذ 1979، وكانت كذلك في 2022، حين فشلت مؤسسات نسوية غربية في مواكبة شجاعة النساء اللواتي أحرقن الحجاب في شوارع طهران. وهي القصة ذاتها في فبراير 2026، حين تحولت منشورات على منصة “إكس” إلى سخرية مبتذلة من حركة الحرية في إيران، عبر اختزالها في تعليقات مهينة، منطق لا يختلف عن خطاب الباسيج الذين وصفوا المتظاهرات بالعاهرات قبل إطلاق النار عليهن.

إنه نزع للإنسانية، وإن اختلفت أشكاله.

النساء اللواتي خرجن في 1979 كنّ يدركن ما يخسرنه، وقلن ذلك بصوت عالٍ.. والنساء اللائي يعشن اليوم في طهران يستيقظن على أصوات الانفجارات، وينقلن شهاداتهن عبر “ستارلينك”، ويرين عائلاتهن مهددة، هنّ يدركن تمامًا ما يعشنه وما يردنه.

إنهن يردن ما كانت عليه إيران قبل أن تسلبه الجمهورية الإسلامية.. يردن، كما قالت إحدى المعلمات بدقة موجعة: الحياة.

ولعل الوقت قد حان أخيرًا لأن يُصغي العالم إليهن.

 

*رويا راستغار، وهي من الجيل الأول من الإيرانيين الأمريكيين، هي المؤسسة المشاركة لتجمع الشتات الإيراني، وهي منظمة مؤيدة للديمقراطية تعمل على تضخيم أصوات الناس داخل إيران.

نقلا عن نيويورك بوست..